المغرب الإستغلال الاستعماري في عهد الحماية

 

بعد توقيع معاهدة الحماية شرعت فرنسا وإسبانيا في استغلال الثروة الاقتصادية المغربية، ولذلك وضعت أجهزة إدارية وهياكل اقتصادية لتحقيق أهدافهما. فما هي الوسائل التي اعتمدتها السلطات الاستعمارية لاستغلال المغرب؟ وما هي مظاهر الاستغلال الاستعماري؟ وما هي النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبت عن الاستغلال الاستعماري الفرنسي- الاسباني؟

الوسائل – الآليات - التي اعتمدتها فرنسا واسبانيا لاستغلال المغرب:

· المؤسسات المالية: تتمثل في البنك المخزني الذي انشأ طبقا لمؤتمر الجزيرة الخضراء، وامتلكت فرنسا جزءا مهما من رساميله، ومهمته إحداث إصلاحات مالية وتقديم القروض للمخزن المغربي، إضافة إلى مراكز أو فروع بعض المؤسسات المالية الأخرى كالشركة الجزائرية والقرض العقاري للجزائر وتونس والشركة المرسيلية للقرض وغيرها، كانت تقدم المساعدات المالية للشركات الاستعمارية والأفراد الأجانب قصد انجاز مشاريعهم الإنتاجية الفلاحية والصناعية والتجارية، وبذلك نمت الاستثمارات العمومية والشبه عمومية والاستثمارات الخاصة.
· الشركات الرأسمالية: وهي الشركات المتروبولية تخطط وتنفذ الأشغال الرأسمالية الكبرى في المغرب، ثم تصدر المواد الفلاحية والمعدنية نحو فرنسا، وتسوق في المغرب منتجات الصناعة الفرنسية، فضلا عن التجهيز التقني العصري لمختلف وحداتها الإنتاجية بالمغرب، وذلك على نفقات الدولة الفرنسية وإقامتها العامة في المغرب، وقد ساعد ذلك على تطور الاستثمارات العمومية والشبه عمومية والاستثمارات الخاصة.
· السياسة الجبائية: نظمت فرنسا ضريبة الترتيب، وتؤدى في البوادي على المواشي والمزروعات حسب المساحة والإنتاج والمردود، وفي المدن تشمل ضرائب مباشرة كالضريبة الحضرية والضريبة المهنية وضريبة السكن، والضرائب غير المباشرة كحقوق الأبواب والأسواق والضرائب التي تفرضها البلديات، وخلال الحرب العالمية الثانية فرض على المغاربة أداء تبرعات الدفاع والإخاء . وقد حصلت فرنسا على مداخيل ضريبية مهمة طيلة مدة استعمارها للمغرب.
· تشييد التجهيزات والأشغال العمومية الكبرى: وظفت الإدارة الاستعمارية الرساميل العامة والخاصة في إقامة التجهيزات الأساسية والأشغال العمومية كالطرق المعبدة و الطرق الثانوية والسكك الحديدية والموانئ والمطارات ومراكز البريد والمدارس والمستوصفات وتشييد السدود على الأنهار المغربية المهمة لتوفير الماء للشرب والسقي والكهرباء، وقد أنجزت الأشغال السالفة الذكر داخل ونحو المناطق التي تتوفر على المؤهلات الفلاحية والمعدنية، أي ما كانت تسميه فرنسا بالمغرب النافع.
· السياسة الأهلية: يعتبر الجنرال ليوطي Lyauteyأول مقيم عام (1912-1925) بالمغرب السلطاني، وضع الأسس التنظيمية لسياسة الحماية من مظاهرها: الحفاظ على موظفي المخزن (الباشا، المحتسب، أمين المستفاد...) في موازاة إحداث أجهزة الحماية، و استمالة الأعيان والقياد كالكلاوي والكندافي والمتوكي، كما حرص على احترام الشؤون الدينية والقضائية للمغاربة، فضلا عن إظهاره للمساواة بين المغاربة والفرنسيين.

مظاهر الاستـــــــــغلال الاستعمــــــــــاري:


1) الاستغلال الفلاحي:

· اعتمدت الإدارة الاستعمارية وسائل متنوعة للهيمنة على الأراضي الفلاحية المغربية ومنها:
- قانون التحفيظ العقاري في 12 غشت 1913م: أصبح بموجبه لكل قطعة أرضية سندا عقاريا يحمل اسما ورقما وتصميما، وبموجبه تمكن المعمرون من الأراضي بسبب جهل المغاربة بهذا الإجراء القانوني.
- عملية الشراء والرهن والمخالطة: اعتمد المعمرون هذه الأساليب للاستحواذ على الأراضي الفلاحية الخصبة، حيث اشتروا مساحات فلاحية بأثمنة هزيلة، كما أغروا المغاربة بنظام المخالطة والمشاركة في عملية الإنتاج الزراعي وتربية الماشية، و أغرقوهم بالقروض، مما جعلهم يرهنون أراضيهم أو يتخلون عنها قسرا في حالات عجزهم عن تسديد الديون للمعمرين.
- نظام الاستعمار الرسمي: استولت سلطات الحماية الاستعمارية على أراضي الجماعات في البوادي والمدن المغربية بدعوى المصلحة العامة أو بذريعة مقاومة أبناء تلك المناطق للاحتلالين الفرنسي والاسباني.
- نظام الاستعمار الخاص: شجعت سلطات الحماية الفرنسية والاسبانية رعاياها على الاستيطان بالمغرب و مكنتهم من الإمكانيات المالية وأنجزت لهم الأشغال العمومية في الأراضي والمناطق التي رحَّلوا منها السكان الأصليين الحقيقيين بطرق الشراء المغري أو الترحيل القسري، وبذلك حصلوا على استغلاليات مهمة فاقت استغلاليات الاستعمار الرسمي بمناطق المغرب في المغرب الشرقي و فاس ومكناس والرباط والدار البيضاء ومراكش وأكادير وغيرها.

· مجالات الاستغلال الفلاحي:

اهتمت السلطات الاستعمارية والمعمرون بالزراعة التسويقية الموجهة للتصدير نحو الأسواق الفرنسية والاسبانية وغيرها، مثل زراعة القطن والتبغ والكتان والكروم والحوامض...، في الوقت الذي همشت فيه الزراعات المعاشية التي كان المغاربة يقتاتونها، وقد شيدت لها سدود مهمة بأنحاء مختلفة من المغرب، كما اعتمدت التقنيات والآلات العصرية المكثفة في جميع مراحل العمليات الإنتاجية من الحرث والغرس والسقي والحصاد..، كما قام الأسطول البحري الاستعماري باستنزاف الثروة السمكية المغربية في السواحل والأعماق البحرية والمحيطية .

2) الإستغلال الصناعي:

تجلى الاستغلال الصناعي في نهب الثروة المعدنية والطاقية المغربية من طرف الشركات الاستعمارية، فشركة اسبانيا لمناجم الريف استنزفت معدن الحديد من مناجم ويشن بالناظور، والمكتب الشريف للفوسفاط نهب معدن الفوسفاط من مناجم خريبكة وغيرها منذ سنة 1922، وكانت أهداف سياسة الاستعمار التصنيعية هي إقامة الصناعات المرتبطة بالمواد الفلاحية والمعدنية المصدرة إلى البلدان الأم فرنسا واسبانيا وجعل المغرب سوقا استهلاكية لمنتجات الصناعة الاستعمارية المستوردة، وفي هذا الصدد تم الاهتمام بالصناعة المنجمية الاستخراجية ( الفوسفاط بخريبكة، الحديد بواد زم، الفحم بجرادة، البترول بسيدي قاسم)، والصناعة الغذائية ( السكر بالدار البيضاء، الدقيق بمكناس وتطوان، المشروبات الغازية كالجعة والخمور بمكناس و طنجة )، وصناعات أخرى كالنسيج والاسمنت...

3) الاستغلال التجاري:

شجعت السلطات الاستعمارية الجالية الأجنبية على إقامة محلات تجارية صغرى وكبرى تبيع بالتقسيط والجملة وتقوم بعمليات السمسرة والمبادلات التجارية بحيث تسوق المنتجات الصناعية المستوردة بالأسواق المغربية ( المواد الغذائية كالسكر والشاي والقطاني...) والملابس وآلات التجهيز، في الوقت الذي تزود فيه البلدان الاستعمارية الفرنسية والاسبانية بالمواد الفلاحية ( البواكر والحوامض والصوف)، والبحرية كالأسماك، والمعدنية ( الفوسفاط والحديد) والمواد الطاقية كالفحم.
وكانت المبادلات التجارية تتم يطرق استغلالية بشعة للمغرب، بحيث تصدر كميات مهمة من المواد الأولية من المغرب بأثمنة ضعيفة، في الوقت الذي تستورد المواد المصنعة إلى المغرب بكميات قليلة وبأثمنة مرتفعة، مما كان يترتب عنه عجزا مزمنا للميزان التجاري المغربي طيلة خضوعه للحماية الاستعمارية الفرنسية الاسبانية.

نتائج الاستـــــــــغلال الاستــــــــــعماري:


1) النتائج الاقتصادية:

· هيمنة الأجانب على أجود الأراضي : استحوذت السلطات الاستعمارية على أراضي المغاربة بوسائل مختلفة، وقامت بتوزيعها على المستوطنين الفرنسيين والإسبان وعلى الأعيان والقياد المغاربة الذين استقطبتهم سلطات الحماية لخدمة مصالحها.
· التركيز على الفلاحة العصرية التسويقية: وما رافقه من تهميش للفلاحة المعيشية التقليدية، مما عرَّض المغاربة لمحن اجتماعية متعددة.
· منافسة البضائع العصرية الأجنبية للحرف التقليدية المغربية: تقاطرت على الأسواق المغربية في البوادي والمدن منتجات أجنبية مختلفة مما ساهم في إفلاس المنتجات الحرفية الداخلية.
· تقنين استهلاك المواد خلال فترات الأزمات: قامت السلطات الاستعمارية في المدن والقرى المغربية بسن تشريعات زجرية على استهلاك المواد الأساسية ومن أمثلة ذلك ورقة البون المعتمدة على الحبوب والدقيق وغيره.
· ارتفاع الأسعار وانخفاض أجور العمال.

2) النتائـج الاجتماعية:

· تضرر الفئات الاجتماعية المغربية: فالفلاحون فقدوا أراضيهم قسرا وتحولوا إلى معدمين أو إلى مأجورين بؤساء لدى سلطات الحماية أو يقومون بأعمال السخرة لصالح القواد والمعمرين. وفرضت عليهم ضرائب مجحفة كضريبة الترتيب والعشور، وضرائب للقيام بالإصلاحات أو لإنشاء الطرق وتشييد البنايات الرسمية كالثكنات العسكرية، ثم التويزة وهي العمل الجماعي المجاني الذي كان يقوم به رجال ونساء القبائل في ضيعات ومناجم المعمرين.
في حين أفلس الحرفيون بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية التي كانوا يستعملونها ( الخشب، الصوف، المعادن) ومنافسة البضائع الأجنبية لمنتجاتهم الحرفية .
كما أفلس أيضا التجار بسبب هيمنة المحلات التجارية والشركات الكبرى الأجنبية.
أما العمال فقد استغلُّوا أبشع استغلال، أجور ضعيفة، ساعات عمل طويلة، انعدام التأمين والحق النقابي، طرد وبطالة ، فقر وبؤس ومجاعة، وتكدس في أحياء الصفيح) باشكو، كاريان سنترال، بن مسيك)، ورغم تلك المصاعب فقد خرجوا في مظاهرات وإضرابات مطلبية كالإضراب العام بتطوان سنة 1930، وإضراب أبريل 1948 لعمال مصانع السكر والحديد بالدار البيضاء وعمال مناجم الفوسفاط بخريبكة والفحم بجرادة، وإضراب عمال الدار البيضاء في 8 دجنبر 1952 للتنديد باغتيال سلطات الحماية الفرنسية للزعيم النقابي فرحات حشاد.
· انهيار نظام الجماعة وتنامي الهجرة القروية نحو المدن.
· ضعف الخدمات الصحية والتعليمية للسكان المغاربة.

· ظهور برجوازية مغربية مكونة من الأعيان والقواد اغتنت بفضل خدمتها لمصالح وأهداف السلطات الاستعمارية.

خاتمة: اعتمدت سلطات الحماية الفرنسية والاسبانية وسائل إدارية وتنظيمية، ومالية وعسكرية لاستغلال الثروات الفلاحية والمعدنية والطاقية والبحرية المغربية، ونجم عن ذلك تضرر المصالح الاقتصادية والاجتماعية للمغارة طيلة فترة الحماية الاستعمارية 1912 – 1956م.