المغرب في مطلع القرن العشرين

الأوضاع الداخلية والإتجاه نحو فرض الحماية

 

عرفت هذه الفترة تعمق الأزمات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية، واتسع نطاق تغلغل الدول الأجنبية وتنافسها في التدخل في شؤون البلاد، فنتج عن ذلك فشل الإصلاحات التي قام بها المغرب وأخذ يفقد سيادته تدريجيا بمقتضى معاهدات فرضت عليه فرضا إلى أن أجبر على توقيع عقد الحماية 1912م.

اضطراب الأحوال وتدويل القضية المغربية:

· واجهت المولى عبد العزيز مشاكل ضخمة تجاوزت حدود تجربته المتواضعة في الحكم:

بعد وفاة السلطان مولاي الحسن 1894م، استبد أحمد بن موسى المعروف ب " أبا حماد" بالحكم، وصار يدبر شؤون الدولة ويردع الثورات من غير اللجوء إلى الحوار مع المناهضين، بينما انشغل الملك الصغير مولاي عبد العزيز بألعابه ولهوه أكثر أوقاته، فمنذ أن حمل مسؤولية الملك إسما استقبل سفارة من انجلترا وتسلم من السفير مجموعة الألعاب الميكانيكية الملائمة لسنه، ومنذ ذلك الوقت واصل الإنجليز تلهية العاهل فتقاطرت عليه مستجدات آليات التسلية مقابل أثمان خيالية كلفة خزينة الدولة الشيء الكثير، وعندما أدرك الأجل أبا حماد كان المولى عبد العزيز قد بلغ العشرين من عمره، أي أنه لو هيئ من قبل تربويا وسياسيا بكيفية جيدة لكان مؤهلا لممارسة الحكم في هذا السن أكثر مما كان وهو صبي، وبهذا وجد السلطان نفسه منفردا أمام مسؤولية تسيير دولة لا حصر لمشاكلها الداخلية والخارجية.

وفي هذه الظروف استغلت فرنسا ثغرات بعض المعاهدات السابقة التي تجلت أساسا في عدم رسم الحدود بين المغرب والجزائر، فقامت بالتوسع داخل المناطق المغربية في وقت كان فيه المخزن مقتنعا بعدم جدوى المواجهة العسكرية للوقوف في وجه المطامع الفرنسية.

كما أن المولى عبد العزيز حاول القيام بمحاولات إصلاحية تخص الجهاز الإداري والتنظيم الجبائي، فقام بإحداث مجلس الجمع، وهو مجلس للوزراء يجتمع يوميا للتشاور فيما يعرض عليه من قضايا ويتخذ قرارات جماعية بشأنها، واستهدف التنظيم الجبائي إصلاح أوضاع البادية وجباية المراسي، فتقرر العمل ابتدءا من سنة 1901م، على إحياء ضريبة الترتيب التي فشل المولى الحسن في تطبيقها سابقا، فحلت محل الزكوات والأعشار. غير أن هذه المحاولة لإصلاح النظام الجبائي جاءت نتائجها عكسية، إذ عارضها ذوي الإمتيازات من الشرفاء والمحميين والأجانب وقبائل الكيش وقواد القبائل وعمالها، وتعزز رفض هؤلاء بمساندة العلماء الذين اعتبروا الضريبة غير شرعية.

ونتج عن فشل ضريبة الترتيب حرمان خزينة الدولة من القسط الأكبر من مداخيلها بسبب إسقاط الضرائب القديمة والجديدة في آن واحد، مما زاد من تعميق الأزمة المالية في وقت كان فيه المخزن في أشد الحاجة إلى المال لمواجهة الأحوال الإقتصادية والسياسية المتدهورة، مما اضطرها إلى الإقتراض من الخارج وخاصة فرنسا، وقدم المخزن كضمانة تخصيص نسبة 60% من المداخيل الجمركية لتسديد هذه الديون.

· زادت حركة المدعو بوحمارة في تأزيم أوضاع المغرب:

استغل بوحمارة الظروف السياسية المضطربة التي كانت تعرفها البلاد، فادعى أنه هو المولى محمد، الإبن الأكبر للسلطان مولاي الحسن قام ليخلص أخاه الأصغر من قبضة النصارى ويحرر البلاد التي استولوا عليها، فبايعته القبائل الشرقية وقبائل الريف، وأصبح بذلك على اتصال مباشر مع السلطات الإسبانية في مليلية ومع السلطات الفرنسية في الجزائر للتزود بالأسلحة والذخيرة الحربية مباشرة من أوربا والجزائر، فبدأ يهدد فاس بعد أن ألحق هزائم متتالية بجيش المولى عبد العزيز مستفيدا من الجيش الفرنسي والإسباني. وتطلبت مواجهة بوحمارة أموالا ضخمة لتغطية نفقات جلب المستلزمات الحربية ووسائل النقل والزاد وأداء رواتب الجند، في حين كان المغرب مدينا بمبالغ باهظة علاوة على سوء المحاصيل الزراعية، فارتفعت الأسعار وأفلس الفلاحون وأصبح المغرب في ضائقة مالية خطيرة جرته إلى دوامة الإقتراض من الدول الأوربية والتي زادت أيضا من تقييد حرية المخزن وفي استفحال الأزمة الإقتصادية والمالية للبلاد. فأدى تضافر كل هذه الأسباب إضافة إلى حركة المدعو بوحمارة إلى خلق البلبلة ونشر الفوضى في كل أرجاء المغرب، وفي إضعاف هيبة المخزن العزيزي.

· قررت الدول الأوربية مصير المغرب بما يخدم مصالحها فقط، وحسمت الأمر لصالح فرنسا وإسبانيا:

مهدت فرنسا لاستيلائها على المغرب بإبرام سلسلة من الصفقات السرية مع الدول الإمبريالية التي كانت تنافسها في المغرب، فاعترفت في نونبر 1902م بمصالح إيطاليا في ليبيا مقابل اعتراف هذه الأخيرة بمصالح فرنسا بالمغرب، ثم عقدت مع بريطانيا الإتفاق الودي 8 أبريل 1904م، الذي أطلق يد بريطانيا في مصر مقابل حرية تصرف فرنسا في المغرب، كما نص الإتفاق بأن يكون شمال المغرب في حالة فقدان المغرب لاستقلاله من نصيب اسبانيا، وفي أكتوبر 1904م وقعت اسبانيا مع فرنسا تصريحا قبلت فيه مضمون الإتفاق الودي بينها وبين انجلترا.

واعتقدت فرنسا أنها في وضع يمكنها من إملاء شروطها على المخزن بعد أن أزاحت بريطانيا من طريقها، فسارعت إلى عرض برنامج موسع للإصلاحات على المولى عبد العزيز والضغط عليه لحمله على قبوله، فاتخذ المخزن موقفا صارما من هذه المطالب الفرنسية معتمدا في ذلك على دعم ألمانيا التي اعتبرت الإتفاق الودي موجها ضدها، وتعزز موقف المغرب في هذه المفاوضات بالتدخل القوي لألمانيا في المسألة المغربية، لأن المنافسة الفرنسية - الألمانية على المغرب كانت قد اشتدت وخلقت ما يعرف في العلاقات الدولية بالأزمة المغربية، واعتبرت إحدى أخطر الأزمات السياسية الدولية التي سبقت الحرب العالمية الأولى. فأعلن الإمبراطور كيوم الثاني يوم 31 مارس في مدينة طنجة استقلال المغرب ودعا إلى عقد مؤتمر دولي لتطبيق سياسة الباب الفتوح في المغرب وأكد عزم ألمانيا على حماية مصالحها فيه.

· جعلت مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء من المغرب محمية فرنسية – إسبانية:

نقلت قضية الإصلاحات المقترحة على المغرب من المجال الثنائي بين المغرب وفرنسا إلى الإطار الدولي بعد التدخل الألماني في المسألة المغربية، فانعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء لبحث موضوع الإصلاحات شاركت فيه إلى جانب المغرب إثنى عشرة دولة أوربية. وقد نصت بنوده على مقررات تفقد المغرب سيادته الحقيقية، ومنها تنظيم شرطة في المراسي المغربية المفتوحة للتجارة يؤطرها الأجانب، وإنشاء بنك مخزني وزعت أسهمه على عدة دول أهمها فرنسا، تكون مهمته إحداث إصلاحات مالية ونقدية وتقديم القروض للمخزن والعمل على تنظيم الضرائب والجمارك وتحسين مداخيلها، ومحاربة التهريب وخاصة الأسلحة التي بدأت القبائل المغربية تستخدمها ضد الأجانب، وقد حصلت فرنسا على انتداب لإدارة شؤون المغرب بعد أن فوضها المؤتمر تنفيذ برنامج الإصلاحات الذي كان مجلس الأعيان قد رفضه، وبالرغم من الإشارة إلى سيادة السلطان ووحدة إيالته فإن فرنسا واسبانيا اعتبرتا مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء إشارة لهما بالشروع في الإحتلال العسكري للمغرب وتقسيمه طبقا للإتفاق الودي وملحقاته السرية.


ردود الفعل المغربية والسير نحو فرض الحماية الفرنسية – الإسبانية على المغرب:

 التدخل العسكري وعزل المولى عبد العزيز ومبايع مولاي عبد الحفيظ:

اضظر المولى عبد العزيز إلى المصادقة على مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء في 28 يونيو 1906م بعدما توالت عليه الضغوطات الأجنبية، فأدى ذلك إلى استياء الرعية من السلطان، ومع إقدام فرنسا على احتلال وجدة في 29 مارس 1907م في أعقاب مقتل الطبيب الفرنسي "موشان" في مراكش، كما استغلت حادثة أخرى لاحتلال الدار البيضاء في 5 غشت من نفس السنة وتوغلت جيوشها في الشاوية ودكالة، فأدت كل هذه الأحداث إلى ظهور بوادر الإنقسام والفوضى لدى الرعية بعدما اضطرهم السلطان إلى الإستسلام للأمر الواقع، فتوجه أهل مراكش بعدما خشوا من امتداد الغزو الفرنسي إليهم، لاستفتاء علماء فاس في شأن عزل المولى عبد العزيز ومبايعة المولى عبد الحفيظ، فأفتى علماء فاس بوجوب ذلك وتمت مبايعة المولى عبد الحفيظ بمراكش في 16 غشت 1907م، وانقسم المغاربة بين مؤيدين للمولى عبد العزيز ومناصرين للمولى عبد الحفيظ إلى أن تغيرت الأحداث بفاس لصالح هذا الأخير فبايعه أهلها، وبعد ذلك أعلن مولاي عبد العزيز تنازله عن العرش في نونبر 1908م لصالح أخيه.

 المولى عبد الحفيظ أمام الوفاء بشروط البيعة وحمل أوربا على الإعتراف بشرعيته كملك:

اقتنع المولى عبد الحفيظ بعدم جدوى المقاومة العسكرية للجيوش الفرنسية والإسبانية بعد أن أبانت هذه الأخيرة عن نيتها الحقيقية في احتلال المغرب، فاضطر إلى مسالمة الفرنسيين وفتح باب التفاوض معهم، ومقابل الإعتراف به كملك شرعي صادق على المعاهدات التي أبرمها سلفه، وأمام تفاقم الضائقة المالية اضطر السلطان الجديد إلى الإقتراض من البنك المخزني الذي أصبح يمارس مراقبة مالية وسياسية غير مباشرة على المخزن، وضمانا لتسديد القروض وضع البنك يده على ما تبقى من مداخيل المراسي واحتكار التبغ والمكوس والزكوات والأملاك المخزنية المحيطة بالمراسي، وبهذا أصبح السلطان في الوضعية نفسها التي كان عليها سلفه.

كما أن شروع اسبانيا في احتلال المناطق المتاخمة لسبتة وإنزال قواتها بالعرائش والقصر الكبير، اضطر السلطان إلى الموافقة على اتفاقية يسمح بموجبها بالمشاركة الإسبانية في الإشراف على الجمارك واحتكار مناجم الريف.

وفي خضم هذه الأجواء اتهمت ألمانيا كلا من فرنسا واسبانيا بخرقهما لمقررات الجزيرة الخضراء، وأرسلت بارجة حربية إلى أكادير، ثم طالبت بضرورة انسحاب القوات الفرنسية والإسبانية من المغرب، فخيم بذلك التوتر والقلق على أوربا خوفا من اندلاع حرب ألمانية – فرنسية لا يمكن توقع نتائجها، وبتدخل من بريطانيا في تحفيز فرنسا للدخول في مفاوضات مع ألمانيا تم بذلك إبرام اتفاقية برلين في 4 يونيو 1911م، نالت بموجبها ألمانيا جزءا من الكونغو وأطلقت يد فرنسا في المغرب.

عجز السلطان عن الوفاء بالتزاماته دفعه إلى الإستنجاد بالجيش الفرنسي لمواجهة الثورات العارمة عليه في جميع أنحاء البلاد:

سارعت فرنسا إلى وضع يدها عل المغرب بعد أن أزاحت خصمها القوي ألمانيا، ومع تخاذل الجيش النظامي المغربي وإفلات زمام الأمور شيئا فشيئا من يد السلطان، وأمام الثورات العارمة ضده، استنجد السلطان بالجيش الفرنسي للتدخل من أجل إقرار الأمن وحماية السلطان، فاستجابت فرنسا لذلك وقامت باحتلالها لفاس أولا ثم مكناس فالرباط وما تبقى من أراضي المغرب الشرقي، وعرضت على السلطان عقد الحماية الذي اضطر إلى توقيعه في 30 مارس 1912م، وتلت بعد ذلك معاهدة فرنسية اسبانية وقعت في مدريد حددت منطقة الحماية لكلتا الدولتان في 17 نوفمبر 1912م.

فشرعت الدولتان بالإعتماد على هذا العقد في الإحتلال الشامل للمغرب، إلا أنهما واجهتا مقاومة قوية من لدن مختلف القبائل المغربية.