التربية و الذكاءات المتعددة

محمد الصدوقي

تأسست نظرية الذكاءات المتعددة (MI) من خلال البحوث والدراسات التي أفضت إلى نقد المفهوم التقليدي للذكاء الذي يعتمد على اختبار الذكاء أو المعامل العقلي (QI) ، الذي وضع في بداية القرن العشرين (1905) من قبل ̋ بينة ̏A.Binet  وزميله سيمون تيودور لقياس التخلف الدراسي للتلاميذ بطلب من الحكومة الفرنسية آنئذ، إذ أن هذا الاختبار لمعامل الذكاء لا يقيس في الحقيقة سوى بعض القدرات لدى المتعلمين، فهو يركز فقط على دراسة المقدرة اللغوية والمقدرة المنطقية-الرياضية، ومن أظهر مقدرة جيدة في هذين الجانبين فإنه يتسم بالذكاء وبالتالي يستوعب المواد الدراسية ويمكنه ولوج المدارس العليا والجامعات؛ ولكن السؤال عن إمكانية نجاحه في الحياة بعد التخرج، فهي مسألة لا يستطيع التنبؤ بها، ثم هل النجاح في الحياة يقتضي فقط الإلمام الواسع باللغة والرياضيات والمنطق؟

 

وفي هذا الإطار، وجهت بعض الانتقادات لطريقة المعامل العقلي (QI) المجسدة في اختبار ̋ بينيه   ̏ والاختبارات الأخرى المنبثقة عنه، ويمكن إجمال بعضها في: إن الإجابات المختصرة التي يقدمها الشخص المفحوص عن طريق هذا الاختبار لا تكفي للحكم على ذكائه، وإن المعامل العقلي مهما نجح في التنبؤ باستعدادات التلميذ في استيعاب المواد الدراسية، فهي غير قادرة على تقديم تصور متكامل عن مختلف استعداداته العقلية وتحديد ذكائه الحقيقي .

 

وعليه فإن نظرية الذكاءات المتعددة تنطلق من مبدإ أشبه ما يكون بمسلمة لديها، وهو أن كل الأطفال البشريين العاديين يولدون ولديهم كفاءات ذهنية متعددة منها ما هو ضعيف ومنها ما هو قوي. ومن شأن التربية الفعالة أن تنمي ما لدى المتعلم من قدرات ضعيفة وتعمل في نفس الوقت على زيادة وتنمية ما هو قوي لديه. وإن نظرية الذكاءات المتعددة بعيدة عن ربط الكفاءات الذهنية بالوراثة الميكانيكية التي تسلب كل إرادة للتربية وللوسط الذي يعيش فيه الفرد وينمو. وإنها نظرية تأخذ بنتائج الأبحاث في مجال علم الحياة، التي ما فتئت تبرز كل يوم المرونة الكبيرة التي يتميز بها الكائن البشري وخاصة في طفولته .

 

ويختلف مفهوم الذكاء عند جاردنير   H.Gardner(الذي اشتهر بنظرية الذكاءات المتعددة) عن المفهوم التقليدي له، فهو يعطيه معنى عاما، حيث إن الذكاء لديه هو "القدرة على إيجاد منتوج لائق أو مفيد أو إنه عبارة عن توفير خدمة قيمة للثقافة التي يعيش فيها الفرد". كما يعتبر الذكاء مجموعة من المهارات التي تمكن الفرد من حل المشكلات التي تصادفه في الحياة. وبهذا التعريف، يبتعد جاردنير بالذكاء عن المجال التجريدي والمفاهيمي ليجعله طريقة فنية في العمل والسلوك اليومي .

 

وقد حدد جاردنير الذكاءات في ثمانية (وتبقى القائمة مفتوحة ):

1-  الذكاء اللغوي: يتضمن الذكاء اللغوي السهولة في إنتاج اللغة والإحساس بالفرق بين الكلمات وترتيبها وإيقاعها. والمتعلمون المتفوقون في هذا الذكاء يحبون القراءة والكتابة ورواية القصص (الانتاجات اللغوية)، كما أن لديهم قدرة كبيرة على تذكر الأسماء والأماكن والتواريخ والأشياء القليلة الأهمية .

2-  الذكاء المنطقي - الرياضي: وله علاقة بالقدرة على التفكير باستعمال الاستنتاج والاستنباط وكذا القدرة على تعرف الرسوم البيانية والعلاقات التجريدية والتصرف فيها. والمتعلمون المتفوقون في هذا النوع من الذكاء يتمتعون بموهبة حل المشاكل ولديهم قدرة عالية على التفكير، فهم يطرحون أسئلة بشكل منطقي ويمكنهم أن يتفوقوا في المنطق المرتبط بالعلوم وبحل المشاكل .

3-  الذكاء الفضائي: إنه القدرة على خلق تمثلات مرئية للعالم في الفضاء وتكييفها ذهنيا وبطريقة ملموسة. والمتعلمون الذين يتوفرون على هذا الذكاء محتاجون لصور ذهنية أو ملموسة لفهم المعلومات الجديدة، كما يحتاجون معالجة الخرائط الجغرافية واللوحات والجداول وتعجبهم ألعاب المتاهات والمركبات، وهم يتفوقون في الرسم والتفكير فيه وابتكاره .

4-  الذكاء الموسيقي: ويتجلى في الإحساس بالمقامات الموسيقية وجرس الأصوات وإيقاعها وكذلك الانفصال بالآثار العاطفية لهذه العناصر الموسيقية. ونجد هذا الذكاء عند المتعلمين الذين يستطيعون تذكر الألحان والتعرف على المقامات والإيقاعات. وهذا النوع من المتعلمين يحبون الاستماع إلى الموسيقى عندهم إحساس كبير للأصوات المحيطة بهم .

5-  الذكاء الجسمي - الحركي: ويتضمن هذا الذكاء استعمال الجسم لحل المشكلات والقيام ببعض الأعمال والتعبير عن أفكار وأحاسيس. والتلاميذ المتفوقون في هذا النوع من الذكاء يتفوقون في الأنشطة البد نية وفي التنسيق بين المرئي والحركي وعندهم ميول للحركة ولمس الأشياء بالحركات .

6-  الذكاء التفاعلي: ويعني القدرة على العمل بفعالية مع الآخرين وفهمهم وتحديد أهدافهم وحوافزهم ونواياهم. والمتعلمون الذين لهم هذا الذكاء يحبون العمل الجماعي ولهم القدرة على لعب دور الزعامة والتنظيم والتواصل والوساطة والمفاوضات .

7-  الذكاء الذاتي: ويتضمن قدرة الفرد على فهم انفعالاته ونواياه وأهدافه. والمتعلمون المتفوقون في هذا الذكاء يتمتعون بإحساس قوي بالأنا، ولهم ثقة كبيرة بالنفس ويحبذون العمل منفردين ولهم إحساسات قوية بقدراتهم الذاتية ومهاراتهم الشخصية .

8-  الذكاء الطبيعي: ويتضمن القدرة على فهم الكائنات الطبيعية من نباتات وحيوانات... والأطفال المتميزين بهذا الصنف من الذكاء تغريهم الكائنات الحية، ويحبون معرفة الشيء الكثير عنها، كما يحبون التواجد في الطبيعة وملاحظة مختلف الكائنات الحية .

 

إن كل نوع من أنواع الذكاء، هذه، يتراوح بين بعدين: أحدهما يمثل أقصى قمة من النمو والتطور، والآخر يمثل نواته وبدايته. وتبعا لذلك فإن أي ذكاء إلا ويوجد بنسب مختلفة لدى الأفراد، تتراوح بين الضعف والقوة (أوزي، التعليم والتعلم بمقاربة الذكاءات المتعددة ).


محمد الصدوقي